وهبة الزحيلي
35
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ، وَقِيلَ : هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ أي فلما رأوا العذاب الموعود به قريبا في الدنيا ، وقامت القيامة وشاهدها الكفار ، ورأوا أن الأمر كان قريبا ؛ لأن كل ما هو آت قريب وإن طال زمنه ، اسودّت وجوههم ، وعلتها الكآبة ، وغشيتها الذلة والمهانة ، وقالت لهم ملائكة العذاب الخزنة على وجه التقريع والتوبيخ : هذا الذي كنتم في الدنيا تطلبونه وتستعجلون به استهزاء ، في قولكم لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ [ الأحقاف 46 / 22 ] . ونظير الآية : وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ ، وَبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا ، وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ [ الزمر 39 / 47 - 48 ] . فقه الحياة أو الأحكام : يستدل بالآيات على ما يأتي : 1 - لا ناصر ولا رازق للمؤمن والكافر في الحقيقة والواقع إلا اللّه عز وجل ، ولكن الكافرين في غرور من الشياطين تغرّهم بأن لا عذاب ولا حساب ، وفي تماد واستمرار في طغيانهم وضلالهم ونفورهم عن الحق . 2 - مثل الكافر في ضلاله وحيرته كالرجل المنكّس الرأس الذي لا ينظر أمامه ولا يمينه ولا شماله ، والذي لا يأمن من العثور والانكباب على وجهه ، ومثل المؤمن في هدايته وتبصره كالرجل السوي الصحيح البصير الماشي في الطريق المستقيم المهتدي له . ولا شك بأن الثاني أهدى من الأول . 3 - هناك براهين ثلاثة على كمال قدرة اللّه تعالى : وهي تمكين الطيور من الطيران في الهواء ، وخلق الإنسان وتزويده بطاقات السمع والبصر والفؤاد أو العقل ، وخلق الناس موزعين مفرقين على ظهر الأرض ثم حشر الناس يوم القيامة ، لمجازاة كلّ بعمله ؛ لأن القادر على البدء أقدر على الإعادة .